الغزالي

67

الأربعين في اصول الدين

الأصل الثاني شره الكلام : وذلك لا بد من قطعه ، فإن الجوارح كلها تؤثر أعمالها في القلب ، ولكن اللسان أخص به ، لأنه يؤدي عن القلب ما فيه من الصور ، فتقتضي كل كلمة صورة في القلب محاكية لها ، فلذلك إذا كان كاذبا حصل في القلب صورة كاذبة ، واعوجّ به وجه القلب ، وإذا كان في شيء من الفضول مستغنى عنه ، اسودّ به وجه القلب وأظلم ، حتى تنتهي كثرة الكلام إلى إماتة القلب ؛ ولذلك عظم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر اللسان فقال : « من يتوكل لي بما بين لحييه « 1 » ورجليه أتوكل له بالجنة » . وسئل عن أكثر ما يدخل النار ، فقال عليه السلام : « الأجوفان : الفم والفرج » . وقال عليه السلام : « وهل يكبّ الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ؟ » . وقال : « من صمت نجا » . وقال له معاذ : أي الأعمال أفضل ؟ فأخرج لسانه ووضع عليه يده ، وقال : « إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه » . وقال عليه السلام : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت » . وقال عليه السلام : « من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ، ومن كثرت ذنوبه فالنار أولى به » . ولهذا كان الصدّيق - رضي اللّه عنه - يضع حجرا في فيه ليمنع نفسه من الكلام . [ فصل أن للسان عشرين آفة ] اعلم أن للسان عشرين آفة شرحناها في كتاب آفات اللسان . ويطول ذكرها ، ويكفيك العمل بآية واحدة ؛ قال اللّه تعالى : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ [ النساء : 114 ] الآية . ومعناه أن لا تتكلم فيما لا يعنيك ، وتقتصر على المهم ، ففيه النجاة . قال أنس - رضي اللّه عنه : استشهد غلام منا يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع ، فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت : هنيئا لك الجنة يا بنيّ ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ، ويمنع ما لا يضره » . وحدّ ما لا يعني هو الذي لو ترك لم يفت به ثواب ، ولم تنتجز به ضرورة . ومن اقتصر من الكلام على هذا قلّ كلامه ، فليحاسب العبد نفسه عند ذكره ما لا يعنيه ؛ إنه لو ذكر اللّه تعالى بدلا عن تلك الكلمة ، لكان ذلك كنزا من كنوز السعادة ، فكيف يسمح

--> ( 1 ) اللحيان : منبت اللحية ، أو عظم الحنك .